2020-12-14

أهل الكهف بصفرو : يفتقرون إلى أبسط حاجيات العيش و يطالبون بتثمين هذا الإرث التاريخي

sefrou_image

" أهل الكهف "بصفرو : يفتقرون إلى أبسط حاجيات العيش و يطالبون بتثمين هذا الإرث التاريخي"

جريدة المساء عدد2173 ليوم الخميس 19 شتنبر 2013 ص :20 و 21
التحقيق من انجاز : عماد ستيتو

أهل الكهف في المغرب ... آخر المنسيين
أهل الكهف ... سكان الأرض الآخرين
أهل الكهف في المغرب .. حياة بطعم الموت
هل توجد حياة بعد الموت في كهوف البهاليل ؟
البهاليل قرية عرفت تاريخيا بالكهوف، بعض سكانها بنوا حولها منازل عصرية، فيما آخرون لا زالوا يعيشون شبه حياة داخل الكهوف
"المساء " تقابل آخر سكان الكهوف في المغرب في بلدة البهاليل بنواحي صفرو وتنقل مأساتهم ومعاناتهم اليومية
"المساء" تلتقي أهل الكهف في المغرب في بلدة البهاليل وتنقل صورة حياتهم ومعاناتهم
تقديم : للكهف قصة في البهاليل، للكهف في هذه القرية التي تبعد عن مدينة صفرو بحوالي خمس كيلومترات قدسية خاصة، "المساء" كانت في البهاليل للقاء آخر سكان الكهوف في المغرب، هناك من ترك الكهف للتخزين فقط ورممه ليبني داخله منزلا يليق بالعصر، وهناك من لم يستطع مبارحة الكهف واتخذه سكنا رئيسيا ليعيش مأساة حقيقية وحياة عصيبة ومرة، هؤلاء أهل الكهف الذين يبحثون لهم عن موطىء قدم في الحياة، "المساء" كانت هناك ونقلت قصصهم الحزينة، فمخطىء من ظن أن زمن العيش في الكهف قد مضى.
عماد استيتو
(موفد المساء إلى البهاليل)

البهاليل، ربما لا يوحي هذا الاسم بالشيء الكثير في زحمة جغرافيا الوطن، أو ربما هناك من لم يسمع باسم هذه القرية من قبل، على بعد كيلومترات قليلة فقط عن مدينة صفرو تقع هذه القرية المنسية المتروكة لقدرها الحزين، كل الأشياء تبدو هنا مهملة، وحده التاريخ من يجد له موطأ قدم وسط كل هاته الخيبات المتراكمة هنا، من سمعوا عن البهاليل يوما عرفوها على أنها مدينة سكن أهلها الكهوف منذ القدم ولا يزالون يسكنونها إلى يوم الناس هذا رغم تطور الزمن، من هذه القرية الصغيرة انطلقت انتفاضة الغضب الشهيرة التي هزت صفرو قبل ست سنوات بسبب غول الغلاء، نعم انطلقت من الكهف لتصل شرارتها إلى صفرو بعد ذلك.
بالنسبة إلى أي زائر جديد للبلدة الصغيرة الواقعة في قلب الأطلس المتوسط قادما من مكان ما في هذا العالم فإن ما قد يستفزه للوهلة الأولى هو تلك النماذج البشرية التي لا تزال تستوطن الكهوف وتتخذها سكنا رئيسيا لها، "المساء" كانت هناك بحثا عن آخر سكان الكهف في القرن الحادي والعشرين في المغرب، ففي هاته الكهوف على ما يبدو ما يستحق الحياة، أم أنه ربما تشبت هؤلاء السكان بالحياة لدرجة أن يقبلوا بكهوف مهترئة وآيلة للسقوط مأوى لهم ؟، صحيح أن الكهوف كانت ولا تزال جزءا من الموروث الثقافي والتاريخي للقرية وسكانها الذين لم يعرفوا غيرها سكنا وملجأ لهم منذ عقود طويلة من الزمن لكنك من الصعب أن تقتنع بأن هناك اليوم حياة حقيقية داخل الكهوف التي تنتفي فيها شروط الإنسانية، كم هي قاسية الحياة على هؤلاء الذين لا حول ولا قوة لهم ولم يجدوا أمامهم من مخرج سوى القبول بالسكن في الكهف، فلا هم استطاعوا ترميمه ولا تحويله إلى جزء فقط من منزل حقيقي أو ربما جعله مزارا للسياح، وحدهم المحظوظون فقط من استطاعوا ذلك، أما البقية الباقية ممن تعاني الفقر المعوز فقد اضطرت إلى أن تتأقلم مع مأساتها الكبيرة، أو تقنع ربما نفسها أنه لا يمكن لحالها أن يكون أفضل مما هو عليه هذا، وكقدر المغرب المهمل الذي تطارده لعنة ما ، سقط سكان الكهوف من منطق الدولة التي لم تبذل بحسب ما نقله جل الفاعلين أي مجهود لانتشال هؤلاء من حالة الفقر والبؤس التي يعيشونها مع الحفاظ على هذا الإرث الحضاري والتاريخي وتثمينه، في البهاليل حيث للكهف قدسية في انتظار أن تصير لساكنه، هناك حيث يعتريك إحساس بالغرابة في قرية كأنها خارجة للتو من كتب التاريخ، كان لنا موعد مع قصص إنسانية من حكايات المكابدة المريرة في زمن المغرب الجديد.

كلهم أبناء كهف ..

قبل أن نشد الرحال لاكتشاف الكهوف كان موعدنا في مدينة صفرو مع رجل يعرف البهاليل جيدا، إنه الناشط السياسي والحقوقي كمال المريني واحد من معتقلي الحراك الاحتجاجي في صفرو سنة 2007، يعرف تضاريس الكهوف بشكل جيد، ويحفظ كل التفاصيل الصغيرة والكبيرة عن الموضوع، لكن له تحفظا طفيفا على بعض أسئلتنا واستفساراتنا، فهو يرفض اعتبار الكهوف سكنا غير لائق أو النظر إليها نظرة دونية، بالنسبة إليه لا يمكن الخوض في موضوع ساكني الكهف دون أن يوضع كل شيء في سياقه التاريخي والاجتماعي وإلا فإن الأمر سيكون مجانبا للصواب والحقيقة، " مقاربة ومعالجة الموضوع من زاوية أنه بالمطلق سكن غير لائق ليست دقيقة جدا لأنها تقفز على التطور العمراني بالمنطقة، فكثير من هاته الكهوف تم تطويرها لتتحول إلى سكن عصري، الكهف جزء من الموروث الثقافي للمنطقة و سكان البهاليل لا يقبلون الحديث على أنه سكن غير لائق "، ما يقصده كمال لمريني من فكرته هو أن السقوط في التعميم سيقدم فكرة مغلوطة عن المنطقة للعالم، نعم هناك مأساة حقيقية يعيشها ساكنو المغارات والكهوف لكن وجب عدم إهمال معطى طبيعة المنطقة ، فكما يشرح المريني فإن طبيعة الأنشطة الاقتصادية في البهاليل جعلت اعتماد الكهف للسكن أمرا طبيعيا لكنه ليس الاستعمال الوحيد للكهف فهو يمكن أن يستعمل كذلك كاسطبل للدواب أو كخزان للحبوب ، لكن تغيير التشكيلة الاقتصادية والاجتماعية للبهاليل في السنين الأخيرة بالإضافة إلى عامل تقسيم الإرث لعبا دورا كبيرا في ظهور فئة كبيرة من السكان تقطن كهوفا لا تصلح لسكن آدميين، بحسب حديث المريني ل "المساء" دائما، الفكرة كما يمكن أن نفهممها هي أنهم جميعا أبناء كهوف، الذين لا يزالون يستعملونها كسكن رئيسي أو أولئك الذين يستخدمونها للتخزين أو حولوها لسكن عصري، كلهم أبناء كهوف والأمر بالنسبة إليهم ليس معيبا كما قد يعتقد الغرباء، فالكهف ليس عارا بل فخر.

انطلقنا في رحلة مقابلة أهل الكهف برفقة مرافقنا، الرحلة قصيرة قبل الوصول من مركز صفرو إلى البهاليل ولا تستغرق سوى حوالي ربع ساعة عبر سيارة أجرة كبيرة، الرحلة تكلفك ثلاثة دراهم، وصلنا إلى البهاليل، كل شيء هنا يوحي بأننا في مكان استثنائي، بين كل خطوة وخطوة تجد كهفا ما، قبل أن نصل إلى تلك الكهوف الحزينة التي لم يجد أهلها مأوى غيرها كنا نتنقل بين كهوف عديدة غير مأهولة، بعضها تم هجره والبعض الآخر يستخدم لتخزين الحبوب أو مواد أخرى فيما بعض العائلات استخدمت كهوفها كاسطبل للدواب والماشية فيما يرتبط كهف آخر بنشاط حمام المدينة ، طيلة مسيرنا في البهاليل كان المريني يوضح كيف أن السكان استطاعوا تحويل كهوفهم إلى منازل عصرية تتوفر فيها كل مقومات العيش الكريم، هؤلاء أيضا ساكنو كهوف ويعيشون حياة لائقة، بدا مرافقنا مصرا على نقل صورة معاكسة لتلك التي تحكى.
النموذج الأول كهف "نعيمة" المرأة الخمسينية التي استطاعت تجهيزه وتأثيثه وتحويله إلى منزل، رحبت بنا واستقبلتنا في كهفها، جزء كبير من هذا الكهف تم إعادة بناءه بطريقة حديثة لكي تسكن فيه نعيمة وعائلتها فيما رمم الجزء الباقي هو الآخر ليستخدم كخزان للمواد الفلاحية كما عاينت "المساء" ، لم تعرف نعيمة سكنا غير الكهف طيلة حياتها لكن تطور الزمن والعصر فرض عليهم عدم ترك الكهف بشكله القديم وتغييره حتى يستطيعوا ضمان حد أدنى من مستوى العيش بكرامة لأبنائهم ، نعيمة التي لم تفارقها ابتسامة جميلة تقول أن الأوضاع الاجتماعية في هذه البلدة صعبة للغاية وأن هذا الكهف كان هو المكسب الوحيد لها ولعائلتها لذلك سعت إلى الحفاظ عليه وتجهيزه بشكل كامل ولا تزال تعتزم إدخال المزيد من التحسينات عليه، سنلتقي بعدها حفيظ العلمي وهو شاب عشريني من شباب البهاليل هو الآخر تزعجه تلك النظرة النمطية والسطحية للآخر الغريب عن ساكني الكهوف، لا تروقه ما يسميها "مبالغات" في الحديث عن وجه المأساة في السكن في الكهف ويسبب له تناول هذا الموضوع من الزاوية السلبية حساسية مفرطة ، استقبلنا هو الآخر في منزله المتواضع الذي حوله من كهف إلى مكان صالح للسكن من غرفتين ومطبخ فيما خصص ما تبقى من مساحة للتخزين، " كما ترى فإن الكهف نخصصه لتخزين المواد الفلاحية وليس للسكن، في الماضي كنا نسكن فيه وكان الأمر عاديا وطبيعيا وكان صالحا للسكن في ذلك الحين، اليوم لم يعد الكثير من الناس يستخدم الكهوف للسكن، النسبة الآن لا تتجاوز الخمسة في المئة ومعظمهم ليسوا أبناء المنطقة، صحيح هناك حالات عائلات تقطن في الكهوف وتعيش حالة مزرية تستحق الوقوف عندها والحديث عنها لكن لا يجب أن ننسى أننا كلنا أبناء كهوف " يكمل لنا حفيظ العلمي بعد أن أخذنا في جولة في منزله الكهف.

الإرث الضائع

ستستمر جولتنا في البهاليل بين الكهوف المتراصة، وبين الأطفال الذين يلعبون في انتظار موعد الدخول الدراسي وينظرون إلى إلينا باستغراب، سيتقدم إلينا طفل صغير بملامح حزينة لا يتجاوز العاشرة من عمره، سيقول لنا "بونجور" ثم سينطلق هاربا، سنكتشف فيما بعد أنه واحد من سكان الكهف الحقيقيين في هذا العصر الذين سنصل إليهم بعد عناء بحث طويل، تبدو البهاليل كجملة اعتراضية سقطت من نص ما ، يحق لساكنها أن يقول عبارة محمود درويش الشهيرة " لا شيء يعجبني " ، فإذا كان وجود مواطنين يسكنون كهوفا قديمة في هذا الزمن مأساة فإن بلدة البهاليل بحد ذاتها قصة حزينة، وليس مستغربا أن انتفاضة صفرو التي تخلد ذكراها السادسة بعد أسابيع قليلة كانت قد بدأت من هنا حين خرج الشباب حينها للتعبير عن تذمرهم من تدني الأوضاع في المدينة وانعدام فرص الشغل وتفشي الفقر، كانت انتفاضة الكهوف أولا على ظلم وإهمال الدولة قبل أن يصل اللهيب إلى صفرو، بعد ست سنوات لم يتغير أي شيء بل ازداد الوضع فقط أكثر سوءا، كمال المريني يتحدث بشيء من الحسرة عن بلدة أهله " الكهوف الموجودة هنا ثروة حقيقية لو تم استغلالها بالشكل المطلوب لتحولت البهاليل إلى أجمل وأروع مدينة على الإطلاق، لست أبالغ وأقول ذلك من دون تعصب، لنا مؤهلات تجعل في إمكاننا منافسة مدن أخرى على المستوى السياحي، هناك إمكانيات هائلة لكن للأسف لا يتم استغلالها، البهاليل مهملة كما تشاهد بعينيك "، كنا نقف في مركز البهاليل، لا شيء يوحي فعلا أننا في المركز، لا شيء على الإطلاق، حسن أبو ربيع فاعل جمعوي هو الآخر يشكي حال البهاليل وإقصاءها الدائم من كل مشاريع التنمية ومن جميع ما استفادت منه بقية الأقاليم، ويتابع " شاهد بنفسك، النفايات في كل مكان، التلوث يملأ البهاليل، إضافة إلى أنه لا فرص عمل هنا، لا وجود لمنشآت أو جمعيات تحتضن الشباب الذي يضيع وينحرف، إنها منطقة مهمشة، موظفو البلدية يشتغلون ساعة أو ساعتين ثم يقضون بقية الوقت في المقهى".
ما يتحسر عليه أبو ربيع أيضا هو عدم استغلال الكهوف من طرف الدولة لتنمية المنطقة، فبالإضافة إلى فشل الدولة في إيجاد حل للعائلات التي تعيش ظروفا مأساوية في الكهوف فقد كان يمكن استغلالها سياحيا في فترة سابقة قبل أن يتغير شكلها ويتحول جزء كبير منها إلى منازل، " للأسف لم تهتم الدولة بهذا الموروث أي اهتمام، الآن معظم الكهوف اندثرت ولم تعد كما كانت قديما، فحتى لو ترك أحدهم كهفه كما كان فإنه سوف يبني فوق هذا الكهف ولن يتركه على أصالته، فقد أجريت تغييرات كثيرة عليه ولم يعج كما كان في السابق، فلو بقيت الكهوف على طبيعتها السابقة لكانت المنطقة استفادت منها كثيرا لأن السياح يأتون ولا يجدون أي مكان يذهبون إليه ولا أي شيء ليروه، كان يمكن مثلا تحويل الكهوف إلى بزارات للسياحة وللصناعة التقليدية، أتمنى على الأقل أن تجد الدولة حلا توفر به سكنا للذين يتخذون الكهوف سكنا رئيسيا وتعمل على ترميم هاته الكهوف وتحويلها إلى مشاريع سياحية" .

كهوف الألم

مهلا، الآن سنصل إلى مشهد من ملامح البؤس الحقيقي، سنصل إلى صور مؤلمة، مرافق آخر لنا في هذه الرحلة قال إن علينا الاستعداد لتوقع رؤية الأسوء، سنقترب من أحد الكهوف، لمحنا امرأة طاعنة في السنة ربما اقتربت من السبعين من عمر بؤسها، علامات الشقاء بادية على محياها، مقلتها حزينتان من تعب سنين الفقر على ما يظهر، حاولنا التواصل معها، لم تكن تفهم ما نقوله، بالإضافة إلى سمعها الضعيف، كانت تعاني صعوبة في التحدث بالدارجة ف "حجو" أمازيغية، وجدناها وحيدة في الكهف إبان زيارتنا له تقوم ببعض الأشغال، كان المشهد مهولا وصادما ، بدأت حجو تتعود علينا قليلا حينما فهمت أخيرا أن الأمر يتعلق بصحفي، هل هناك حياة بعد الموت هنا ؟ إليكم الصورة، في الحقيقة إنها صور كثيرة وليس صورة واحدة: كهف صغير قديم البناء ومهترىء سقفه قابل للانهيار في أية لحظة يأوي حوالي سبعة أفراد، ظلام دامس في المكان رغم أن زيارتنا كانت نهارا، لا كهرباء في الكهف، ظلام كحياة قاطنيه المظلمة، بعربية مرتبكة نبست حجو ببضع كلمات "حنا يسكن هنا .."، قبل أن تبدأ بالتنقل في أرجاء الكهف وهي تشير بيديها إلى السقف الذي يوشك على السقوط وإلى الجدران التي ليست جدرانا، إلى الأفرشة الرثة، إلى كل شيء يشي بليلها المستمر أبدا، ثم وصلت إلى مكان نومها " هنا كينعسو .." تقول حجو، لست في حاجة إلى الكثير من الكلمات لتستوعب رسالتها وما ترغب بقوله.
تعبيرات الوجه الحزينة والقاسية كافية بالتعبير عن فجيعتها، تنام في هذا الفراش القديم الذي لا يقيها لا الحرارة ولا البرد، حصير بال و "هيدورة " و "وسادة" هذا كل ما يتكون منه فراش نومها، "هنا أنام " كررتها حجو على مسامعنا مرات عديدة ثم أشارت إلى مكان آخر على بعد مترين أو ثلاثة فقط من مكان نومها، هنا ينام الأفراد الباقون من العائلة جميعا، حجو قالت أنهم لا يستطيعون مغادرة هذا الكهف بسبب قلة ذات اليد وعدم قدرتهم على دفع ثمن ترميم الكهف أو ثمن بناء منزل حقيقي، لا يملكون خيارات كثيرة، الكهف أو الكهف فقط، لا يستطيعون الانتقال إلى مكان آخر، ترفع يديها الاثنتين إلى السماء كإشارة منها على عدم قدرتها فعل أي شيء إزاء وضعها هذا، ومستنجدة بالرب لتخليصها من هذا العذاب الأليم، هكذا غادرنا كهف "حجو" التي ظلت ترفع يديها إلى السماء تضرعا إلى حين مغادرتنا وكانت في كل مرة تردد " هادشي اللي عطا الله، نحمدو الله "، كانت حجو سعيدة لزيارتنا حتى أنها دعتنا لتناول طعام الغذاء برفقتها قبل أن نعتذر بلطف، أحد مرافقينا قال معلقا " هل شاهدت بعينك؟ إنها حالة من بين حالات كثيرة هنا لكن العدد ليس كبيرا جدا ويمكن للدولة لو أرادت أن تجد لهم حلا بسهولة، يمكنها مساعدتهم على ترميم كهوفهم وجعلها سكنا لائقا، حالة هاته العائلة صعبة لأن الكهف على ما يبدو لم يعد صالحا لأي شيء من خلال معاينة حالة السقف "، في الطريق إلى كهف آخر ستوقفنا زوجة ابن المرأة العجوز لتسألنا بعد أن عملت بزيارتنا إذا ما كنا قد شاهدنا الحالة التي يوجد عليها الكهف، وأضافت " حنا مكرفصين بزاف، هادي ماشي عيشة وعيينا منهضرو.. "، برفقتها كان ابنها الذي حيانا ب "بونجور"، طفل من أطفال الكهف.
عائشة سيدة كهف أخرى، لم تتكلم كثيرا وهي تفتح لنا كهفها " ها الكهف ديالي دخل صور وشوف "، كان هذا كل ما استطاعت "المساء " انتزاعه من كلمات من فم عائشة، الوجوه فقط هي من تختلف، فمعاناتها لا تختلف كثيرا عما تعيشه حجو وعائلتها، القصص تتشابه، والمأساة كذلك، الوضعية السيئة للكهف نفسها، الظروف اللا انسانية ذاتها ، كان صمت عائشة أقوى وأبلغ من أي كلام يمكن للألسن أن تلوكه، فوزي هليبة أحد أبناء المنطقة وشبابها، وهو ناشط طلابي سابق في الجامعة يتحدث عن وضع كارثي يعيشه بعض سكان الكهوف في المنطقة على شاكلة عائشة وحجو " هناك عدة عوامل رئيسية يمكنها أن تفسر الصورة التي شاهدتها والتي يمكنك أن تجدها في أكثر من كهف هنا، لكن السبب الرئيسي يبقى هو الفقر والعوز وتدهور شروط العيش الاجتماعية وعدم قدرة هؤلاء الأشخاص الذين يسكنون الكهوف على إيجاد مجال آخر للسكن، فمعظمهم يعيشون دون دخل قار أو في مهن لا توفر مدخولا محترما، بالإضافة إلى عامل الهجرة القبلية والذي لا يمكن إهماله".

تعب هي الحياة

لننتقل الآن إلى حالة أخرى محزنة، كهف من كهوف الألم، الكهف الذي يسكنه حفيظ زويتنة مع جدته المقعدة والمريضة جدا، ما الذي يمكن قوله أمام وضع كهذا، وكأن مأساة العيش في مكان كهذا لا تكفي، بدا حفيظ حزينا جدا، دمعته كانت على وشك النزول، كان السؤال التقليدي عن حياتهم وعيشهم في الكهف سؤالا غبيا لو طرحته في هكذا لحظة فكل شيء واضح لا تخطئه عين، أعفاني حفيظ من حرج السؤال واسترسل في الكلام من تلقاء نفسه " أنت ترى الواقع أمامك، لقد تعبت كثيرا من العيش هكذا، هذه ليست حياة يمكن لإنسان أن يحياها، لقد مللت من كثرة الشكوى، كما ترى لا نوافذ لا تهوية ولا أي شيء يوحي أن من يسكن هنا إنسان كما أننا نعاني من الرطوبة، نحن نعيش في هذا الكهف وهو على هاته الحالة منذ سنة حوالي 13 سنة، لكننا لا نملك حلا آخر، لا نستطيع أن نذهب إلى أي مكان آخر، أخبرني إلى أين سنذهب ؟ إلى أين ؟ "، صمت حفيظ قليلا ثم تنهد بعد أن سمع بعضا من كلام جدته المصابة ب "الألزهايمر" قبل أن يستمر في حديثه لنا " كما ترى جدتي مصابة بالزهايمر، وأنا الوحيد الذي يرعاها، لا شيء آخر تملكه سوى هذا الكهف، لا يمكن لإنسان في هاته الحالة المرضية أن يعيش في وضع كهذا، لقد راسلنا الجميع لكن لا حياة لمن تنادي فلا أحد يهتم بنا فضلا عن أننا نعيش في خطر دائم، فهذا السور مهدد بالسقوط في أي يوم ، إنها معاناة قاسية نعيشها، نحن صابرون فقط ، لا شيء آخر لنا نفعله سوى الصبر والشكوى لله فماذا عسانا نفعل غير ذلك "، يتوقف مرة أخرى عن الكلام ويحبس دموعه بصعوبة قبل أن يحكي عن فشل العديد من مشاريع زواجه " لقد أردت الزواج ولم أستطع، لا توجد هناك امرأة تقبل أن تعيش هاته الحياة المزرية في مكان كهذا، كلما عزمت على الزواج فإن الطرف الآخر يهرب بسبب اصطدامه بهذا الواقع المؤسف، وأنا لا أستطيع الخروج من هنا للبحث عن منزل للكراء، الأمر مكلف جدا ويحتاج جدت ويحتاج إلى مصاريف ضخمة لا يمكنني توفيرها"، في الخارج في مدخل الكهف يبكيك النظر في عيني "مي يامنة" أو يامنة ماطيش جدة حفيظ، كيف تعيش هاته العجوز المسكينة والمريضة في هذا المكان ؟ تساءل حفيظ باستنكار، إنها لحظة مؤثرة حينما كشف حفيظ عن قدمي "مي يامنة" المتورمتين اللتان لم تعودا تتحملان هذا المكان، لا يمكنك سوى أن تغادر الكهف حزينا مليئا بعشرات الصور التي قد لا تقوى الكلمات على تطويعها وأنت تستحضر شيئا مما قال الماغوط حينما كتب بأن مراقبة الألم من وراء الشيء أمر مضحك لأنه أمر شبيه شيئا ما بذلك الأطرش الذي يستمع إلى الموسيقى، للأمهات بلاغة غير مفهومة في الكلام، كذلك كانت تقول عيون مي يامنة وعائشة وحجو، عيون جائعة لحياة حقيقية.
الناشط الجمعوي عبد الحق غاندي يعتقد أن المشكل بنيوي لأن له بعدا تاريخيا وليس وليد اليوم، " الأزمة الاقتصادية ومشاكل الإرث تسببت في ظهور العديد من أشكال الكهوف التي أصبحت تنفصل عن البناية الأم، لا يمكننا كذلك أن ننسى أزمة الكراء في المنطقة حيث تكاد تنعدم ثقافة الكراء في المنطقة وحتى لو وجدت فإن ثمنها مرتفع جدا لذلك يضطر العديد من الناس إلى كراء أو شراء هذه الملحقات التي لم تعد صالحة ويتخذونها سكنا، بخصوص الإرث فقد أسهم تقسيم الإرث بين أفراد العائلة في ازدياد هاته الظاهرة فهناك من ظفر بهذا الكهف فقط ولم يجد فرصة أخرى سوى السكن فيه "، قال غاندي موضحا، ثم تابع: " امتلاك الكهف بالنسبة لمواطن حالته الاجتماعية ضعيفة أصبح بمثابة الثروة بالنسبة للمواطن وأصبح من المستحيل أن يتخلى عنه وهذا جوهر المشكل كله".
فوزي هليبة يرى من جهته أن الحل لهاته المأساة الإنسانية التي يعيشها عدد من سكان الكهوف يوجد في يد الدولة، " ما يتعين القيام به لانتشال النماذج التي شاهدتموها من ساكني الكهوف من الوضع المؤسف الذي يعيشونه هو إنشاء مشاريع تمكنهم من الكثير من الحقوق الاجتماعية والاقتصادية التي حرموا منها نتيجة الإهمال الذي يتعرضون له، وتمكين أطفالهم من حقوقهم أيضا وتأهيلهم حتى لا يتعرضوا للضياع، يمكن استغلال هذه الكهوف وتحويلها إلى نقطة جذب سياحي وإلى مصدر رزق بالنسبة إلى هاته العائلات المعوزة التي توجد تحت عتبة الفقر"، واسترسل هليبة " لقد استهلك الحديث كثيرا عن التنمية البشرية، ولم نشهد أي تدخلات معقولة تستجيب لتطلعات الناس، الدولة عليها أن تطلع بمهم تأهيل هذا الموروث لخلق متنفس في هذه المنطقة، إلى حدود هذه اللحظة نسجل غياب الاهتمام بسكان الكهوف بشكل مطلق، وحتى بالنسبة للمسؤولين والمنتخبين سواء برلمانيين أو جماعيين فأهل الكهف غائبون بشكل تام عن برامجهم، لا تصور لهم لحل مشكل من يعيشون في كهوف قديمة قابلة للتحطم ولا حتى لتنمية البهاليل عن طريق استغلال هذا الإرث" ، عبد الحق غاندي له رأي مختلف حيث يرى أن الحل يجب أن يكون مشتركا ويفرض تظافر جهود الجميع " علينا أن نكون واقعيين لا يمكننا أن نطلب من الدولة لوحدها أن تجد حلا لهذا المشكل وإلا فإننا نكون أنذاك نطلب المستحيل، على الجميع أن يجد الحل، أنا أتحدث عن حل تتدخل فيه أطراف عديدة وهو أمر ممكن ومعقول لأنه لن يكون مستعصيا إيجاد بديل لأقل من عشرين عائلة، توفير الوعاء العقاري أمر ممكن وسهل جدا، لكنني أشدد على أن الحل لن يسقط من السماء وأنه ضروري أن تقع التضحية من الجميع لأنه عار علينا أن نبقى ساكتين عن هكذا وضعية".
في طريق المغادرة بعد يوم قضيناه في حضرة أهل الكهف التصقت صور عديدة بالذهن عن آخر سكان الكهف على أرض المغرب، هناك فكرة رئيسية لا بد أن يخرج بها من زار أهل الكهوف في واحدة من قرى المغرب المنسية وهي أن البهاليل لم تعرف حياة أخرى غير الكهف بشكل أثر في طبيعة الإنسان المحلي وطريقة تفكيره بحسب ما قاله لنا أهلها، الكهف إرث تاريخي أهملته الدولة وطوره السكان المحليون دون أن يتخلوا عنه، و أسهم تردي الأوضاع الاجتماعية لعدد من السكان المحليين في جعل عدد منهم يعيش حياة الجحيم ، جحيم دانتي في تلك الكهوف التي تصلح حتى لميتة محترمة، هؤلاء لم يختاروا هاته المأساة ترفا، وإنما اختارتهم وعبثا يحاولون التأقلم معها، هكذا تركنا البهاليل بلدة يشكو أهلها الحرمان واللامبالاة ليس لها سوى كهوفها، جزء منها مهجور وجزء آخر طاب لأهله العيش بعيدا عنه، والجزء الآخر لم يجد رفاقا سوى أولئك البؤساء الذين يعيشون على هامش الوطن من أمثال " مي يامنة" و " عائشة " وحجو" ولائحة من يقاومون عبث الزمن ويتهجأون حزنهم طويلة جدا، الفرح بالنسبة إلى هؤلاء مؤجل، أو أنه طائر مهاجر، صدق من قال أن هناك ناسا تعيش بشكل جيد وناس من الجيد فقط أنها تعيش.

مواد مؤطرة:
البهاليل .. قرية منسية

إلى جانب الكهوف التي تفتقد لشروط العيش والتي تقطنها عدد من العائلات تعيش قرية البهاليل جملة من المشاكل، فبالإضافة إلى غياب المشاريع التنموية عن المنطقة وانعدام المرافق الترفيهية بالنسبة للشباب فإن بلدة الكهوف تعرف حالة تلوث كبيرة وسط لا مبالاة تامة من طرف المسؤولين، الفاعل السياسي كمال المريني يقول متحسرا على استمرار تقسيم المغرب إلى مغرب نافع وغير نافع " جملة من المشاكل التي لا تنتهي تعيشها البهاليل، المنتخبون هنا لا يقدمون أي شيء للمنطقة، الناس هنا يعتقدون أنه ليس لهذه الأرض ناسها لأن لا أحد يدافع عنها أو يفكر في مستقبلها، بالإضافة إلى كل هذا هناك مشكل الكاريانات وهو مشكل مؤرق آخر يستفيد منه النافذون وعدد من السياسيين في هذه البلدة، الاحتجاجات في 2007 بدأت هنا ولا زالت المنطقة مهمشة وتعيش حالة من الضياع للأسف، كما تم إقصائها من جميع برامج التنمية وإهمال سكانها الذين يرزحون تحت براثن الفقر سواء أولئك الذين يسكنون الكهوف أو الذين لا يسكنونها"، تجدر الإشارة إلى أن عدد سكان البهاليل يبلغ حوالي خمس وعشرين ألف نسمة نسبة كبيرة منهم عاطلة عن العمل.
الكهف .. ثروة سياحية غير مستغلة

" يمكن للبهاليل أن تتحول إلى جنة سياحية فالمكان هنا يمكن أن يكون ساحرا، و ربما تتحول البهاليل إلى ما يشبه الشاون " يقول كمال المريني دائما متحدثا ل "المساء" عن عدم استغلال المؤهلات السياحية لهذه المنطقة، فهاته الكهوف يمكنها أن تتحول إلى مزارات بالنسبة إلى السياح الأجانب عوض أن تسع بؤس فقراء المنطقة، حيث يمكن للدولة أن تقتنيها من سكانها وتحويلها إلى مشاريع سياحية أو تشجيعهم هم على تحويلها إلى أماكن سياحية يحققون من خلالها دخلا ماديا، لكن وكما يسجل المريني وعدد من الفاعلين الجمعويين والحقوقيين الذين التقتهم المساء في عين المكان فإنه يظهر وكأن الإرادة الرسمية للدفع في هذا الاتجاه تكاد تكون منعدمة، في طريق مغادرتنا أشار لنا مرافقنا إلى حافلة تقل سواحا أجانب قبل أن يستدرك " .. لكنهم للأسف لن يشاهدوا شيئا، سيقضون ساعة واحدة فقط هنا ثم سيعودون إلى فاس "، ورغم أن بعض سكان المنطقة قد بدأ فعلا في التفكير في تحويل كهفه إلى مشروع سياحي إلا أنها تبقى مجرد مبادرات فردية فقط.

: الكاتب



عدد المشاهدات : 713

← رجوع


© Sefrou.com 2020