2020-12-14

ادريس المراني «بجّق بجّق، طَع طع مومّو، مْريقة الدْجاج!»مدينة صفرو

sefrou_image

ادريس المراني «بجّق بجّق، طَع طع مومّو، مْريقة الدْجاج!»مدينة صفرو

لو كان بالإمكان أن نعرض الوجوه التي مرّت من مدينة صفرو دون أن يتذكرها أحد لما اكتفينا بعشرات الصفحات، بل بالمئات، ولذهلنا من الأفكار والكلمات والأحلام التي كانت تعْبُر رؤوس هذه الوجوه النقية البيضاء قبل أن تمضي إلى ذلك المكان البعيد، اللامتناهي.
ومن بين إحدى أبرز هذه الوجوه المسمّى قيد حياته: ادريس المْراني. يمر بين أهل القلعة هادئا صامتا مطمئنا كأي واحد من سكان الحي البُسطاء. لكن عندما يستفزه أحد بكلمات من قبيل: «بجّق بجّق، طَع طع مومّو، مْريقة الدْجاج!» عندئذ يستبد به الغضب فيبدأ يشتم ويسب، وغالبا ما ينتهي اللقاء تحت وطأة التحريض، برجمه بالحجارة مباشرة إلى الرأس.
ثم يبدأ مسلسل الرجم. يرجُمونه بقوة وسرعة وهم يتلذّذون بالرجم. وتنتشر عدوى الرجم؛ فيتشجّع ما تبقّى من الفتيان فيضربون. أين يضربون؟ ومن يضربون؟ ليس مُهما أين تقع الضربة، المهم ألا يظل الواحد مكتوف اليدين. يجب أن يشارك الجميع في الضرب. ليستعملوا ما يشاءون: الحجارة الصغيرة، الكبيرة أو الحادة، ثم الكلام النابي الممزوج بالسخرية الجارحة: «بجّق بجّق، طَع طع مومّو، امْريقة الدْجاج!»
«إلا الضرب بالحجَر» يقول العقلاء، لأن الحجارة العمياء قد تطال الرأس فتدمغُه، وقد تطال العين فتفقؤها، وقد تصيب الركبة فتعطبها «إلا الضرب بالحجَر!» هكذا يقولون؛ فمن ذا يعرف من استعمل الحجارة؟ ومن يجرأ على ولوج معركة خرجت عن الطوق… والجراح والدماء؟!
يتلقى «ادريس المْراني» المسكين سيل الحجارة الآتية من كل الاتجاهات، ثم يتقطّب جبينه، فيقلق ويضطرب ويصرخ، فيتحول اللقاء إلى صراع حقيقي بينه وبين من يضربه، والفتيان حوله لا يملكون أنفسهم من الكركرة وزيادة التحريض.
وحين يتزايد عدد المعتدين عليه، ويرتفع صراخه نتيجة رجمه بالحجارة، لابد وأن تتدخل أخته لالّة كنزة، تطل من النافذة وتبدأ تدافع عنه باستماتة: «الترابْ يْعبّيكم، خاي ادريس سيدْكم، ولْد لالّكم، واللّي ما عندُه مغْرف تّحْرق يدُّه!» تدافع عنه هكذا أمام الملأ، وفي البيت تبدأ توبّخه بلهجة عنيفة: «علاش يا النغْطيم كتخلّيهم يركبوا فوق ظهرك؟ دافع على راسك يا الحَتْشَنْكة، مالك غير ساكت بحال يْلا تقول فمّك ضرباه اللّقْوة؟»
وعندما يكون مسرورا ومزاجه خال من أي شعور بالمضايقة، يُخرج سيجارة من نوع «فاڨوريت»؛ فلا تسمع منه إلا كلمات يتمتم بها بطريقة غير مفهومة: «يا رب تْموت زهْغة، ونْبيع بن شَڴْغة، ونْضرْبْها بسكْغة!»/ «يا رب تموت زهْرة، ونبيع بنشَڴْرة[1]، ونْضرْبْها بسكْرة!»
إنها واحدة من التسليات القاسية التي كان يتسلى بها شباب القلعة الزائغ، ومع ذلك؛ فقد كان في هذا الحي من العطف وحماية الضعفاء الشيء الكثير، وراضية حمّانية واحدة من هؤلاء، إذ كانت تحترمه كثيرا، وتقدّر حزنه، وتفهم مآسيه، ولذلك تنظر إليه بعطف وتحفّه بالرعاية والاهتمام.

: الكاتب



عدد المشاهدات : 645

← رجوع


© Sefrou.com 2020