2020-12-14

شخصيات من الذاكرة الصفريوية

sefrou_image

شخصيات من الذاكرة الصفريوية

في زمن مضى، كان التلاميذ يندفعون إلى الحدّادين بشكل يثير الانتباه؛ فهم يستمتعون بما تصنعه أيدي «المْعلْمين» وينظرون إلى إبداعاتهم بدهشة وانبهار. ويوماً بعد يوم، أصبح الذين يفضّلون أقصر الطرق للوصول إلى المدرسة يختارون المرور عبر الحدّادين. ليطيلوا النظر أمام المْعلْمين وهم يتبادلون الطرق فوق السندان.
ولأنهم حدّادون ذوو مهارة عالية، فإنهم يطرقون الحديد بقوة جبارة، وببراعة لا تخطئ إلى أن تتشكّل القطعة المتوهّجة كما يريدون. يفعلون ذلك دون أن يحسوا بالتعب أو الملل وهم يتمازحون فيما بينهم بكلمات ساخرة.
أ سُوط الكِير يا القْرَع مَجُّوط
وْعَنْداك تْآذي المْعلْمِين سْيَادَك
بَالتْشَاش اللّي طَايَر مَنَّك
سُوط سُوط يَا قْبِيح السْمِيَة!
يستمد المْعلم احْمامد من هذا الزجل اللاذع مادة للتفكّه، فيرد عليه المتْعلّم وقد أحكم العبارة واختار اللفظ المناسب، حتى يبدو المعنى وكأنما ابتدعه شيطان وليس طفل في عمر الزهور.
حَاشَا مَعاذ الله نْكُون
أنا المْشَرّف عَنْد المْعَلْمِين الكْبَار
طرَّشْتُوني غِير بَصْدَاع المْطَارَق
وَتْقَرْقِيب النّاب مْعَ الفْشر
مَ نْهار عرْفَتْكُم ما شَفْتْ مْزِيَة!
يرفع المْعلم احْساين سكة المحراث بالملقاط؛ يضعها في بيت النار، و«النقايم6» تصدر من فمه؛ كأنما يحرض المْتْعلم على تزنيد الجمرات لتصبح الحديدة ليّنة طيّعة فوق السندان.
أسُوط يَا سْبَاب المْحَايْن
عْلِينَا طَالَق دُخّان
المْعَلْمِين فْ حَالَة مْعَاك
إيوَا شْمَاشِي نْقُل لّك
اللهْ يَعْطِيك البْطَل
يَا وَدْنِين القْنِيَة!
ينكفئ الجمع بالضحكات الصاخبة في انتظار أن تتوهج قطعة الحديد. وقد يُصاب المتْعلّم بالعجز عن الرد، لكن جعبته المليئة بالمعاني البليغة يستعير منها ما يناسب المقال.
وَانْتَ مَالَك يَا بَن احْسَايَن
يَاك انْتَ غِير بْطِيعَة
كَتْعِيّط البْلَا بَشْبَش
تْعَايَلّي قَلّلْت الحْيَا مْعَاك
إيوَا هَا نَا مَاشِي نْسُوط
غِير وَسّع خَاطْرَك شْوِيّة!
وحينما تصبح قطعة الحديد شديدة الاحمرار، توضع فوق السندان، فيبدأ مسلسل الطرْق بصفة منتظمة: «طان طان، تَس طان طان، طَطان طان، تَس طان طان!»
وحين تصبح القطعة باردة أو صلبة شيئا ما؛ عندئذ يرفعها المْعلم السرغيني بالملقاط، يضعها في بيت النار من جديد، وكثيرا ما يضعها والشرر ينقذف من فمه.
أسُوط يَا وْجَه الشّاشِيَة
لَا خِير فِيك ولّا فْ ناسَك
دَابا يَطْوال وِيعَجْبَك
قُلْت لَك سُوط
يا ذاك الحَشْية!
ويحلو التندّر والدعابة وقطرات العرق تنزّ من الجباه، وكلما ازداد سيلانها مسحوها بالمنديل وهم يترقبون الرد الذي سيصدر من هذا المتعلم الحاذق.
هَا انَا مَاشِي نْسُوط
دَوّخْتُونِي غِير بْ ريحْةْ الزّفْرَة
دَ العَرْق مَنْكُم عَاطْيَة
مَا فِيكُم طَايْلَة
يَا سْباب كُل بْلِيَة!
كان تبادُل الكلمات الساخرة يتم بشكل متناوب مع المْعلْمين والمتْعلم؛ مع احترام النوَطات الصادرة عن الطرَقات التي تتردد في هذا الجو المعفّر فتجرح الصمت!
وبعد الانتهاء من العمل، خصوصا بين العصر والعشاء، يجتمعون في مكان معين، وغالبا يكون هذا المكان في قلب الحدادين؛ فهناك يستريحون، وهناك يتحدثون، وهناك يرفعون أصواتهم بالغناء، وكأنهم يودّعون يوما حافلا بالتعب والشقاء.
يتدرجّ المْعلم السرغيني في نصائحه للمْتْعلم حسبما أراد، وكانت نصائحه تتمحور حول كيفية التعامل مع أقرانه، فتراه يُنذر ويُحذّر وكأنه يعيش في غابة من مليئة بالذئاب وليس مع البشر.
- هاااا، كُون مَصْوَاب، وَعْرَف بَاللّي اهَل صَفْرو يْقُولُوا الاَعْمَى البْصِير، وَالْمَقْبَرَة الرُّوضَة، وَالنّار العَافْيَة، والرْصاص الخْفيف، وْحِيت كَيْسَوْلُو الْمْرَا الْحَامْلَة كَيْقُولُو لْهَا: كِيف رَاك مْعَ الْخَفّة؟
- أيّيه ألْمْعلّم، نْكُون مْؤَدّب وْمَصْوَاب، وِيلا تْعَدّى عْلِيَ شِي هَرّانْدو؟
- اسْمَع يَا وْلِيدِي، رَاه الْحْسَاب صَابُون، وَاللِّي عْطَاك كَلْمَة اعْطِيه وْشِيّطْ لُو، نَقّي لُو وَدْنِيه صَح ما يْتْمَكّن، ضَرْبْ لُو الطّر وَالبَنْدِير وْ بَن عَم البْنِيدَر، عَنْدَك تْزَرْطِي أو تْفَرْتَح... قُل لّو: فَاش عِينِيك؟ قُلْهَا بطَاي طَاي يْلا كُنْتي راجَل! وَقْبَل ما يْزيد مْعَاك الثّانْيَة، خَنْزَر فِيه دِيك التْخَنْزِيرَة دِي عَمّك الْحُسِين مُول الفرّان الله يْرَحْمُو.
- بَالصّح ألمْعلّم بَاللِّي التْخَنْزِيرَة دْ عَمّي الْحُسِين كَانْت كَتْڴرْدَع الجْمَل وَلَو يْكُون فِيه القْنَاطر.
- عَز الله اللّي نَفْسُو حَرّة وْعَالْيَة أوْلِيدي... هااا، ما تْكُونْش بْطِيعَة... اللّي ضَرْبَك صَمْكُو حتى يْشُوف النْجُوم فَ الْقَايْلَة... هااا، اضْرَب الْجَدّارْت لُودَن... عَنْدَاك يْفَاڴمَك أو تْفَاڴَم، تَبّت يَا وْلِيدِي، وغِير تْشُوفُو غْلَب عْلِيك حَاوَل تْشْبُرومَن [تَمَّ] ، قَبْطو قَبْطة صْحِيحة حَتى يْقَرْبُو عْوينَاتُو يْخَرْجُو وْدِيك الساعَة بَرّد فِيه أحَمّيص.
- وِيلا زَهْقَات لُو الرُّوح ألمْعلّم، يْعَبِّيوْنِي الْبْنِيقَة يَاك؟
- لا أوْلِيدي، ما تُوصَلْش مْعَاه الْزْهيق الرُّوح... هااا، غِير تْشُوف وَجْهُو صْفَار بْحَال الطُّوبَة دَ الكْبْرِيت، وشْلاقْمُو بْدَاوْ يَزْرَاقُو بْحَال الْكَاغِيط دَ السْكّر، وَعْوينَاتُو بْدَاوْ كَيْفَرْفْرُو طْلَق الزْمَر عْلِيك... بَعّد الُّلور، اعْطِيه التّيسَاع، رَاه التّيسَاع رْبِيع يَا وْلِيدِي، وْغَرْبَل قْبَل مَا يْغَرْبْلُوك وإلّا مْشِيتِي فَاتَارَاس!
يضحك المتْعلم ببراءة طفل كما لو أنه مُدرك لما يَغْزى من المعنى، وما أن يُنهي ضحكته حتى يقذفه المْعلّم في محاولة لتلطيف الجو:
- كْلامِي يَا وْلِيدِي كُلُّو مْنَاطَق يَاك؟ يَاك أوْلِيدِي كَنْقَتْلَك غِي بَالطّحْك وَالتْبَخْبِيخ يَاك؟
- النْقَايَم عْلَى بَاب فَمّك ألمْعلَم بْحَال السْلُوڴي عْلَى بَاب التّرْعَة.
- لُو كَان شَفْتِي يا وْلِيدي النْقَايَم دِي صَفْرَاوَة الْقْدَام، وَخّى تْفَتّش عْلِيهُم بَالْفْتِيلَة وَالْقَنْدِيل مَا تَلْقَاش بْحَالْهُم... بَالْحَق هاذ الجّيل دَ الْيُوم ما جَابْشَاي مَ الْخْلا... كُلْهُم كَيْطِيرُو جَنْجَل، مَ اللّي كيْطْلع النْهَار وْهُما يْطُوطْحُو بِين الجْنَانَات وَالسْوَاقِي... يْزَنْفْخُوها تُوت وْكَرْمُوس وْغِير يْسَالِيوْ يَمْشِيوْ الْعْوِينْةْ الدّنْدَان أوْْ يْطَلْعُوا الْسَّد دَ الْپاطْرون يْقِيْلُو تَمّ يْعُومُو حَتى تَغْرَب الشّمْش، مَا يْتْسَهْتُو ما يَنْهَدُّو، وْغِير يْرُوحُوا بَاللّيل يْطِيحُو رَكّة... الْجِهَاد يَا رَسُول!
كان المتْعلّم رغم صغر سنه يستوعب المعاني التي يرددها المْعلّم. وقد حاول كم مرة أن يصل إلى بعض التقديرات التي يمكن أن تنفعه في تعامله مع أقرانه.
- هااا، عَنْدَك تْشَد الْحْسِيفَة فْ شِي واحَد دَار مْعاك شِي فالْطَة ما فيها ما يْليق أو تضّسّر عْليك شِي بَرْهُوش قْلِيل الْحْيا... راه الضْسَارةكتْجِيب الخْسَارة وْتَخْوِي الشْكَارَة، حِيت بْنادَم تْبَدّل وَفْقَد الصْوَاب وَالصْبَاغة، وْمَا يْعَرْفَك غِير فَ الْمَصْلَحَة... تعْطيه الْقِيمَة يَرْجْعَك بْهِيمَة... هااا، والله وْمَا كَنْتِي حُر وْهَتْهُوت حَتى يَبْداوْ يْقَفّزُو فِيك بْحَال القَرْد دِي لالّة بَاطُوزَا مْرَات عَمّي الْحْسَن حَرْبا...
- لا ألْمْعلّم، هَذا اللّي مَاشِي يْشَطّحْ فِيَ اللّهُم نْدِيرُو تَحْت الصْبّاط، وِيعَامَلْني مُعَامَلَةْ الضْبّاط، وْكِيف قَالُوا نَاس زْمَان: الْكَلْب فْ تَنْخَالو، وَاللّي مَا عَجْبُوش كْلامِي يَنْطَح رَاسُو مْعَ الْحِيط...
- لا يَا وْلِيدِي، رَاك خْذِيتِي الْغَا مَقْلُوب... أنا حَبّيت نْقُول لّك: اللِّي خَنْزَر فِيك احْذَر عِينِيك وْدُوز، وَاللِّي تْعَدّى عْلِيك حَاوَل تْسَل الشُّوكَة بْلا دَم، مَا تْشَطّح ما تْقَفّز مَا تدّير تَحْت الصّبّاط، وِيلا جَاب الله وَتْلاقِيتِي مْع شِي جَلْدَة مْجَلْوْدَة قُول لّو يَا الْفَارَس يَا الوَرْدَة عْلِيك كَيْطِيح النْدَى... هااا، رَاه لُوقِيد مَا يْتْلاقَى مْعَ الْبَارُود، ها وَدْنِي مَنّك!
- يَلاوْنّي رَاك نْوَاعْرِي ألْمْعَلّم، مَا يْشَدّك الوَاحَد عْلى طْريق، كتْزَنّد العْوَافي وْتَهْرَب بَالسْطُولة!
- كِيفَاش؟ أنَا بْقَامْتِي وْهِيبْتِي تْقُولّي نْوَاعْرِي؟ وَما تْسِيل يَا قَب يَعْطِيك هَتْكة! اعْطِينِي التِّيسَاع يَا وْجَه التْشَحْتْشَاح... آه، آه، شْحَال عْزِيز عْلِيك أهَرّاي... نُوض خْلاص، راه اللّوْلِي عْلاين يَدّن.
- إيوَا الله يَجْعَلْنِي نْتِيق بِك ألْمْعَلّم!
- هَكْذَاك يَا وْلِيدِي، الله يْغَطّيك بَالسْتَر، وِيفَرّش لَك الرْضَا، وْمَلايْكْتُو شَاهْدَة!

: الكاتب



عدد المشاهدات : 878

← رجوع


© Sefrou.com 2020